السيد محمد تقي المدرسي
412
من هدى القرآن
ولكنه في ذات الوقت بعيد لا يعرف ذاته . وجاء في حديث مأثور عن الإمام الباقر عليه السلام في معنى هُوَ قال : [ اسْمٌ مُشَارٌ وَمَكْنِيٌّ إِلَى غَائِبٍ ، فَالْهَاءُ تَنْبِيهٌ عَنْ مَعْنًى ثَابِتٍ ، وَالْوَاوُ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَائِبِ عَنِ الْحَوَاسِّ ، كَمَا أَنَّ قَوْلَكَ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الشَّاهِدِ عِنْدَ الْحَوَاس ] « 1 » . إنه الذي تهفو إليه نفوسنا ، وتتعلق بحبه أفئدتنا ويهفوا الجميع إلى قبسات وجهه الكريم ، ويتعطشون إلى كأس محبته ، وورد قربه . إنه بكلمة واحدة هُوَ نشير إليه دون أن نحدده أو نقيده ، أو ندعي معرفة ذاته ، أو توهم إنيته ومائيته . وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلامقال : [ رَأَيْتُ الْخَضِرَ عليه السلام فِي الْمَنَامِ قَبْلَ بَدْرٍ بِلَيْلَةٍ ، فَقُلْتُ لَهُ عَلِّمْنِي شَيْئاً أُنْصَرْ بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، فَقَالَ : قُلْ يَا هُوَ يَا مَنْ لَا هُوَ إِلَّا هُوَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله فَقَالَ لِي يَا عَلِيُّ عُلِّمْتَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ فَكَانَ عَلَى لِسَانِي يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَرَأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : يَا هُوَ يَا مَنْ لَا هُوَ إِلَّا هُوَ اغْفِرْ لِي وَانْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين ] « 2 » . اللَّهُ وكفى ؛ الإله : المعبود الذي تسبح له السماوات والأرض ، الذي يتحير فيه المتحيرون ، ويلجأ إليه المستجيرون . وهكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام علي عليه السلام : [ اللهُ مَعْنَاهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَأْلَهُ فِيهِ الْخَلْقُ وَيُؤْلَهُ إِلَيْهِ ، وَاللهُ هُوَ الْمَسْتُورُ عَنْ دَرْكِ الْأَبْصَارِ ، الْمَحْجُوبُ عَنِ الْأَوْهَامِ وَالْخَطَرَات ] « 3 » . وروي عن الإمام الباقر عليه السلام : [ اللهُ مَعْنَاهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي أَلِهَ الْخَلْقُ عَنْ دَرْكِ مَائِيَّتِهِ ، وَالْإِحَاطَةِ بِكَيْفِيَّتِهِ ، وَيَقُولُ الْعَرَبُ أَلِهَ الرَّجُلُ إِذَا تَحَيَّرَ فِي الشَّيْءِ فَلَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْماً وَوَلِهَ إِذَا فَزِعَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يَحْذَرُهُ وَيَخَافُهُ فَالْإِلَهُ هُوَ الْمَسْتُورُ عَنْ حَوَاسِّ الْخَلْق ] « 4 » . وهكذا تكون كلمة اللَّهُ حسب هذه الرواية مشتقة من إله ، التي تجمع معاني المعبود ، الذي يتحير فيه الناس ، ويلجأ إليه المتحيرون . أَحَدٌ بالرغم من أن كلمة أَحَدٌ مشتقة من واحد كما قالوا ، إلا إنها أبلغ دلالة على معنى الوحدانية ، وأنه سبحانه لا نظير له ولا شريك ، ولا أعضاء فيه ولا أجزاء ، لا في الواقع ولا في العقل والوهم سبحانه ، وليس معنى الأحد والواحد أنه ثاني اثنين ، أو أنه نوع من الأنواع ، كلا . . إنه الواحد بلا عدد ، الأحد بلا مثل ولا شبه . هكذا جاء في حديث مأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما سأله أعرابي في يوم الجمل فقد روى : [ إِنَّ أَعْرَابِيّاً قَامَ يَوْمَ الْجَمَلِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَتَقُولُ إِنَّ الله وَاحِدٌ ! ، قَالَ : فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، قَالُوا يَا أَعْرَابِيُّ أَمَا تَرَى مَا فِيهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنْ تَقَسُّمِ الْقَلْبِ ! . فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام :
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 221 . ( 2 ) التوحيد للصدوق : ص 89 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 222 . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 222 .